• ×

السبت 28 ربيع الأول 1439 / 16 ديسمبر 2017

ثوب العيد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أ . حميد المالكي

ما اجمل الخيال عندما يحكِمُ فارسه لجامه كُنا في الماضي نفرح بالثوب الجديد والحذاء الجديد .

كم توسدت ثوبي الجديد ليلة العيد وكم احتضنت حذائي .

يبدا التكبير وأنا متبخترا في ثوبي اللذي ارتسمت عليه غابة من اشجار المنحنيان والتعرجات جراء توسدي له ولكنني لست الوحيد* فالجميع مثلي .

كان في الماضي عدم وجود كاوية لمهده ولكنه اليوم اصبح " موضه " تدل على الترف .

لقد كنت من المترفين آنذاك بل إننا جميعا كنا مترفين فلا يوجد بيننا من ثوبه ممهود .

قد لا انصت للإمام وربما لا ارى من هم حولي فجل إهتمامي صببته على ثوبي الذي استحوذني وحذائي ذي الشراك الاحمر .

هاهو بجانبي .

اضعه عن جانبي الايمن تارة والايسر تارة اخرى .

ينهي الخطيب خطبته وانطلق مسرعا الى الباب الوهمي للمسجد .

فلم يكن للمسجد باب بل لم يكن له جدران .

كانت الاشجار جدرانه وابوابه تتخللها .

امسك بيد جدي ونقفل عائدين الى المنزل .

لسنا الوحيدين من يمشي بل الجميع فلا سيارات ولا قطارات ولا حتى دراجات .

ترى طرقات القرية تتحلى بسلاسل بيضاء مقتطره من الناس الذين يلبسون الابيض ابتهاجا بالعيد ويتوهج بياض ما يلبسون من ضوء الفرح الذي ينبعث من دواخلهم .

ارمق ابن قريتي وهو مرتديا ثوباً كثوبي ولكنني لا اراه شيئا بجانب ثوبي .

اتبختر من امامه هو وجده وهو يرمقني الآخر .

آباءنا كانوا غالبا في الاعياد غير متواجدين جميعهم فنحن نعيش مع الاجداد .

كانت الغربة تكتنفهم .

كانوا يغيبون عنا بالاشهر واحيانا بالسنين .

فمن انتم أيها المقيمون اليوم كي تشتكون مر الغربة عن ابنائكم لقد سبقناكم بها وكنا نتعارف مع اباءنا كلما اتوا فالسنين تغير الملامح والصغير يكبر .

اجد والدتي وجدتي قد كنسنه التراب عن التراب .

فلا بلاط ولا اسمنت كانت تكتسي ارضيات المنازل بالتراب .

كلما تم كنسه زال منه طبقه حتى تصبح المنازل بعد فترة من الزمان كالخنادق وكأن عوامل التعرية قد أصابتها .

يتصاعد الدخان من فتحات في سقف المنزل كان يطلق عليها " القتره " .

ينبعث شذى القهوة ويختلط بالبخور .

تجلب لنا أمي حال وصولنا " قرصان " البر الممسوحة بالسمن البري ومعها اللبن والعسل .

هاهم ابناء القرية يتوافدون للتحية والتهنئة .

اتبختر امامهم بثوبي وحذائي الجديدين .

وابناء جيلي على شاكلتي وكأننا طواويس تستعرض بريشها الجميل .

يمضي الوقت فياتي موعد الغداء ونكون مدعوين لدى أحد ابناء القرية فكل يوم لدى عائلة على مدى ثلاثة أو اربعة ايام .

نتغدى ثم نعود لنمارس اعمالنا اليومية من رعي وحرث و " سوق "* الماء من البير .

واعود الى ثوب العام الماضي .

ها انا احتضن ثوبي واتوسد حذائي لليوم الثاني والثالث وكل يوم يتجدد فرحي واعتزازي وتبختري بذلك الثوب المتميز .

ما اسعدنا كُنا نرتدي ثياب المترفين دون أن نعلم أن أثريا هذا الزمن سيسرقونها منا .

أين تلك الصورة لقد ضاعت بل تمزقت وتلفت .

فكل ضائع قد نجده* .

إلا أن ما تلف لا يعود .

لقد تلفت ولكننا كُنا نرتديها عندما تمزقت وتلفت فذهبنا معها .

لم نعد نحن اولئك .

ولم يعد اولئك نحن .

اعيدوا لنا ثيابنا المترفه فقد اشتقنا الى انفسنا علنا نجدنا فيها .
بقلم : أ . حميد المالكي
hdath@hotmail.com
0505656269
أ . حميد المالكي

 1  0  61531

التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10 ذو الحجة 1438 02:56 مساءً عطية حسن العفيفي :
    كل عام وانت بخير كاتبنا العزيز..ابا طلال
    كتبت واجت التعبير بل اعدت ماضينا والهمتنا الحنين الية..
    ولكن.؟لن تعود تلك الايام ولن يعودون ذلك البشر
    فقد عم الرخاء وزدادت النعم وتوسعت الاوطان وجيل غير جيل وحال افضل من حال ونسال الله ان يديمها ويدم امنها وسلامها...
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:23 مساءً السبت 28 ربيع الأول 1439 / 16 ديسمبر 2017.