• ×

الأربعاء 28 محرم 1439 / 18 أكتوبر 2017

ثوب العيد

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أ . حميد المالكي

ما اجمل الخيال عندما يحكِمُ فارسه لجامه كُنا في الماضي نفرح بالثوب الجديد والحذاء الجديد .

كم توسدت ثوبي الجديد ليلة العيد وكم احتضنت حذائي .

يبدا التكبير وأنا متبخترا في ثوبي اللذي ارتسمت عليه غابة من اشجار المنحنيان والتعرجات جراء توسدي له ولكنني لست الوحيد* فالجميع مثلي .

كان في الماضي عدم وجود كاوية لمهده ولكنه اليوم اصبح " موضه " تدل على الترف .

لقد كنت من المترفين آنذاك بل إننا جميعا كنا مترفين فلا يوجد بيننا من ثوبه ممهود .

قد لا انصت للإمام وربما لا ارى من هم حولي فجل إهتمامي صببته على ثوبي الذي استحوذني وحذائي ذي الشراك الاحمر .

هاهو بجانبي .

اضعه عن جانبي الايمن تارة والايسر تارة اخرى .

ينهي الخطيب خطبته وانطلق مسرعا الى الباب الوهمي للمسجد .

فلم يكن للمسجد باب بل لم يكن له جدران .

كانت الاشجار جدرانه وابوابه تتخللها .

امسك بيد جدي ونقفل عائدين الى المنزل .

لسنا الوحيدين من يمشي بل الجميع فلا سيارات ولا قطارات ولا حتى دراجات .

ترى طرقات القرية تتحلى بسلاسل بيضاء مقتطره من الناس الذين يلبسون الابيض ابتهاجا بالعيد ويتوهج بياض ما يلبسون من ضوء الفرح الذي ينبعث من دواخلهم .

ارمق ابن قريتي وهو مرتديا ثوباً كثوبي ولكنني لا اراه شيئا بجانب ثوبي .

اتبختر من امامه هو وجده وهو يرمقني الآخر .

آباءنا كانوا غالبا في الاعياد غير متواجدين جميعهم فنحن نعيش مع الاجداد .

كانت الغربة تكتنفهم .

كانوا يغيبون عنا بالاشهر واحيانا بالسنين .

فمن انتم أيها المقيمون اليوم كي تشتكون مر الغربة عن ابنائكم لقد سبقناكم بها وكنا نتعارف مع اباءنا كلما اتوا فالسنين تغير الملامح والصغير يكبر .

اجد والدتي وجدتي قد كنسنه التراب عن التراب .

فلا بلاط ولا اسمنت كانت تكتسي ارضيات المنازل بالتراب .

كلما تم كنسه زال منه طبقه حتى تصبح المنازل بعد فترة من الزمان كالخنادق وكأن عوامل التعرية قد أصابتها .

يتصاعد الدخان من فتحات في سقف المنزل كان يطلق عليها " القتره " .

ينبعث شذى القهوة ويختلط بالبخور .

تجلب لنا أمي حال وصولنا " قرصان " البر الممسوحة بالسمن البري ومعها اللبن والعسل .

هاهم ابناء القرية يتوافدون للتحية والتهنئة .

اتبختر امامهم بثوبي وحذائي الجديدين .

وابناء جيلي على شاكلتي وكأننا طواويس تستعرض بريشها الجميل .

يمضي الوقت فياتي موعد الغداء ونكون مدعوين لدى أحد ابناء القرية فكل يوم لدى عائلة على مدى ثلاثة أو اربعة ايام .

نتغدى ثم نعود لنمارس اعمالنا اليومية من رعي وحرث و " سوق "* الماء من البير .

واعود الى ثوب العام الماضي .

ها انا احتضن ثوبي واتوسد حذائي لليوم الثاني والثالث وكل يوم يتجدد فرحي واعتزازي وتبختري بذلك الثوب المتميز .

ما اسعدنا كُنا نرتدي ثياب المترفين دون أن نعلم أن أثريا هذا الزمن سيسرقونها منا .

أين تلك الصورة لقد ضاعت بل تمزقت وتلفت .

فكل ضائع قد نجده* .

إلا أن ما تلف لا يعود .

لقد تلفت ولكننا كُنا نرتديها عندما تمزقت وتلفت فذهبنا معها .

لم نعد نحن اولئك .

ولم يعد اولئك نحن .

اعيدوا لنا ثيابنا المترفه فقد اشتقنا الى انفسنا علنا نجدنا فيها .
بقلم : أ . حميد المالكي
hdath@hotmail.com
0505656269
أ . حميد المالكي

 0  0  28897

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:34 صباحًا الأربعاء 28 محرم 1439 / 18 أكتوبر 2017.