• ×

الأربعاء 28 محرم 1439 / 18 أكتوبر 2017

جماليات تعلمتها في إندونيسيا

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
د. هداية الله أحمد الشاش
إندونيسيا أرض الخير التي دخلها المسلمون فاتحون بحسن أخلاقهم، وقبِل الإندونيسيون دعوتهم بفطرتهم الطيبة وبسهولة طبائعهم ويسر أخلاقهم.

إندونيسيا أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان؛ حيث يبلغ سكانها 280 مليون نسمة، 87% منهم مسلمون.

قد يحدِّثك من زار إندونيسيا عن طبيعتها الخلّابة فقط، لكن جمال طبيعتها هذا ينافسه جمالين؛ جمال أخلاق الشعب الإندونيسي من جهة، وجمال بساطة الحياة من جهة أخرى، وأخصص هذا المقال للحديث عن هذه الجماليات.

عندما تلتقي بهذا الشعب العريق تلاحظ لطفه وهدوءه في الحديث وفي الحركة، وفي قيادة السيارات، التي تلاحظ انسيابية حركتها رغم ندرة إشارات المرور، ورغم عدم وجود الشُرط والكاميرات.

أما تواضعهم فحدّث ولا حرج، فترى القادة وأصحاب المناصب العالية لا يقلّون تواضعًا عن أصغر موظف لديهم، فقد رأيت مديرًا لمؤسسة علمية -يزيد عدد منسوبيها عن 10 آلاف- وهو يعتني بحديقة المؤسسة، وشاهدت مديرًا آخر يكنس الأرض بين يدي العمال؛ وهو يتابعهم أثناء بناء مبنى إضافي في المؤسسة! أما في المؤتمر الذي شاركت به فقد أذهلنا أن وجدنا عميد الكلية يستقبل ضيوف المؤتمر من الباحثين في المطار! وهذا ما لم نجده في أي مؤتمر في بلاد أخرى!.

أما الترابط الأسري والتعلق بالأسرة والوفاء لها، والقيام بمسؤولياتها؛ فهو سمة بارزة من سمات هذا المجتمع، لذلك نجد نسبة الطلاق قليلة لديهم، ومن طريف ما لاحظته أن كلًا ممن تواصلت معه يضع صورة أفراد عائلته كصورة شخصية له في وسائل التواصل كالواتساب ونحوه، بل رأيت تلك الصور موجودة في مكاتبهم في العمل أيضًا! .

ومما أعجبني في هذا الشعب اللطيف؛ الترحيب والفرح بالضيف والاحتفاء به وإكرامه، ويقولون في ذلك: "الضيف يأتي بالبركة ويذهب بالمغفرة"، ربما من أسباب هذا الاحتفاء عدم التكلف للضيف، فالتكلف يرهق الانسان ويجعله غير متوافق معه ولا مع مسببه.

ولأن الإندونيسيين بعيدون عن التكلف والانشغال بمتطلبات الحياة؛ فإنك لن تجد ظاهرة الإعلانات التجارية في الشوارع كما في المجتمعات الاستهلاكية، إذ نمط حياتهم في العيش ببساطة يجعل هذه الإعلانات ليست ذات جدوى.
ومن لطائف البساطة المعنوية في إندونيسيا وجود لقاء سنوي يُعقد في شهر شوال، وهو مخصص للتسامح وصلة الرحم بين الأقرباء أو الأصدقاء أو الموظفون في المؤسسات الحكومية والأهلية، ويسمى هذا اللقاء " حلال بحلال" ، ويعني أنك مسامَح.. وأنت في حِلّ.

ومن طريف ما لاحظته عدم وجود كراسي للمصلين في المساجد إطلاقا؛ إذ الأمراض التي تمنع المسلم من القيام في الصلاة ليست موجودة فيهم، بسبب العادات الصحية لديهم من النشاط الحركي والاكتفاء بكمية قليلة من الطعام.

الإندونيسيون لا يطلبون من الحياة الكثير من الرفاهية، لذا كان المجال مفتوحًا لصناعة الرسالة في الحياة، والعيش من أجلها لدى الكثيرين ممن لديهم الهمة والطموح متاحًا، وخاصة ممن يحملون همُّ الدين، ومن مظاهر ذلك انتشار ظاهرة وقف المال أو الأرض للدعوة أو التعليم، ونلاحظ هنا أن ثقافة الوقف هذه تنبع من المعاني الخيّرة ومن المسؤولية الاجتماعية؛ والتفرغ للجمال المعنوي، وإعطائه الأولوية في أموالهم وأوقاتهم وجهودهم لما يخدم أمتهم ودينهم وأوطانهم، بدلًا من الانشغال بالجمال المادي.

وقد وجدت هناك كثيرًا ممن يملك القليل أو الكثير من المال يوقف ماله وحياته للتعليم، بدلًا من الاستثمار في المدارس الخاصة في المجتمعات التي تريد التوسع المادي والاكتفاء به عن الغذاء الروحي.

لقد وجدت الإندونيسيين أصحاب عفة وقناعة، فمهما كان المرء فقيرًا فتجده قانعًا، يعمل بأي عمل ولا يتسول! فرحت بقناعتهم بقدر ما حزنت عندما تذكرت ظاهرة التسول في بلاد غنية؛ لا يقنع أولئك المتسولون برزقهم، ولا يعملون، وفوق ذلك لا يتعففون، ولا يدفع عوزهم الأغنياء الذين نجدهم منشغلون بالملذات والمتع المادية ومتابعة أصنافها وأحدث إصداراتها بكل أنانية!.

لقطات جميلة من الجمال المعنوي، تدعونا لتبسيط حياتنا؛ لنكون أكثر متعة وراحة وتوافقًا مع الفطرة، وهذا ما سأفصله في المقال القادم إن شاء الله تعالى.


بقلم: د. هداية الله أحمد الشاش
د. هداية الله أحمد الشاش

 0  0  14171

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:35 صباحًا الأربعاء 28 محرم 1439 / 18 أكتوبر 2017.