• ×

السبت 20 صفر 1441 / 19 أكتوبر 2019

رحلة شهيد ..

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أ . حميد بن أحمد المالكي
تعالت ( الزغاريد ) وعم الفرح ارجاء منزل ( منتصر ) ،* وأتت والدته ( ام منتصر ) تبشر ولدها ( منتصر ) ، الف مبروك يا ولدي الله رزقك ولد زي ( القمر ) وجهه منوّر ماشاء لله تبارك الله .

قال منتصر الحمدلله رب العالمين ، بشريني يمه كيف حال زوجتي .

قالت والدته : ابشرك طيبه ولله الحمد ، لكن قلي يا ( منتصر ) وش ناوي تسمي ولدك .

قال : ابسميه باسم ابوي ( مجاهد ) المجاهد العظيم اللي استشهد في وقعة الحرم ١٤٠٠ هجريه ، وما زلت اذكره ، الله يرحمه وهو يودعنا متوجه للجبهه وانا وقتها ما زلت ادرس اظن في المتوسطه بنهايتها* .

قالت والدته : الله يبيض وجهك يا ولدي ، نعم ابوك الله يرحمه كان نعم الرجل المواطن الصالح المجاهد المسلم* ، تدري يا ولدي لما جيت انت ، قال ابوك ابسميه ( منتصر ) لعل الله ينصر به الحق على الباطل ويكون جندي صالح يدافع عن وطنه ومقدساته ، وصار اسمك ( منتصر ) ، والحمد لله ، كنت يا ولدي وما زلت منتصر ، نصركم الله على العدوان العراقي في حرب الخليج عام ١٤١١ للهجرة ،* ولله الحمد ، وصدق حدس ابوك ( مجاهد ) الله يرحمه .

قال ( منتصر ) : وأسال الله ان يكون ( مجاهد ) إبني مثل* جده ( مجاهد ) والدي البطل العظيم ، رحمه الله ، واسال الله تعالى ان يرزقه الشهادة ويجمع به جده .

مضت الايام و ( مجاهد ) يسابقها ، نبغ في دراسته وكان من الاوائل على زملاءه في جميع مراحله الدراسيه ، تخرج من الجامعة ، ومضى بهمته الى الكلية العسكرية فتم قبوله على الفور ، وعند تخرجه منها ، اقام والده حفل دعى اليه الاقارب والاصدقا .

بدأ ( مجاهد ) في عمله العسكري في قطاعه ، وكان مثال الموظف المجتهد ، اشتهر بين زملاءه بالذكاء وسرعة البديهة والتواضع ، فلم يكن كضابط في تعامله مع افراده بل كان إبناً لكبيرهم وأخاً لصغيرهم .

دقت طبول الحرب ، واتى أمر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز* - حفظه الله* ، بالتوجه الى حدود اليمن في العام ١٤٣٦ للهجرة للدفاع عن وطننا الغالي ومقدساته من عملاء ايران* ، وكان ( مجاهد ) من الضباط الذين سارعوا للانضمام الى صفوف ابطال ( عاصفة الحزم ) .
تمترس ( منتصر ) وزملاءه الاشاوس ، وأخذوا يقصفون في العدو ويردون جنودهم الواحد تلو الآخر في ظل هتافات ( الله اكبر ) تهتز لها جبال اليمن وسماءه .

اصيب البطل ( مجاهد ) ، وتم نقله الى المستشفى وقام الاطباء باستخراج رصاصة الغدر التي استقرت قريباً من قلبه النابض بحب دينه ثم وطنه ومليكه .

اكتظ المستشفى فجأة بالضيف الكبير الذي اتى حباً ووداً لزيارة اولئك الابطال والاطمئنان عليهم ، إنه أمير الشباب قايد الرؤيا ولي العهد وزير الدفاع الامير محمد بن سلمان ، دخل على البطل ( مجاهد ) واحتضنه سموه حامداً الله على سلامته هو وزملاءه ، وبلل ( مجاهد ) صدر سمو الامير محمد بالدموع قائلاً ارجو ان يعذرني سموك فوالله انها دموع فرح بالتقائك .

وفي اليوم التالي زاره والده ( منتصر ) ( ابا مجاهد ) وحمد الله على سلامته ، واخبر ( مجاهد ) والده بزيارة سمو الامير محمد ، وعن مدى السعادة والحماس التي تركتها* زيارة سموه لدى ايطال ( عاصفة الحزم ) المنومين بالمستشفى* ، فقال والده تلك عادة قادتنا وليست بمستغربة الاصالة منهم وهم نبعها ، ثم اصطحبه معه الى المنزل بعد ان اذن له الأطباء بالخروج .

دخل ( مجاهد ) برفقة والده ، على والدته ، وكادت ان تخر صريعة مغماً عليها فرحة بمقدم ولدها فلذة كبدها ( مجاهد ) .

مكث ( مجاهد ) نحو شهر ، ثم أستاذن والدته ووالده يالعودة إلى ساحة البطولة ميدان الاسود الى ( عاصفة الحزم ) ، شد والده من ازره وشجعه وامتدح فعله ، والتزمت والدته الصمت ، وودعته بدموع الام التي تأبا* فراقه ، ولكن الوطن غالي ، والجميع فداءٌ لنرابه ، هكذا كانت عيناها تخبره وهي تودعه .

استقبله زملاءه في الجيهة بفرحة عارمة ، مضى اكثر من اسبوع والحرب في اوجها ، امتلأت بِقاع الارض سفوحها وجبالها بجثث الاعداء .

وفي ليلة مقمرة يضيء بدرها السهل والجبل ، اراد الله لعبده الصالح المجاهد ( مجاهد ) أن ياتي اليه ، فكانت رصاصة غادرة من العدو هي السبب الذي اراده الله ، فودع ( مجاهد ) الدنيا لافظاً انفاسه بين ايادي زملاءه وفي احضانهم ، انهمرت دموعهم عليه امطاراً ، وسالت دماءه الزكيه على الارض انهاراً .

*نُقل جثمان الشهيد ( مجاهد ) الى والديه حسب وصيته التي ضمنها لفظاً لزملاءه أن يذهبوا بجثمانه الى والديه لتوديعهم وطلب ان يصلوا عليه في الحرم المكي ويدفن بمكه .

وكان له ما اراد ، وصل جثمانه الطاهر الى والديه ، وودعاه بالتهليل والتكبير ، سائلين الله ان يتقبله من الشهداء ويجمعه بجده ( مجاهد ) الذي سبقه الى الشهادة باكثر من ثلاثين عاماً .

حُمل على الاكتاف وأُدخل إلى الحرم ، وتمت الصلاة عليه وشيعه مئات الالاف من المصلين ، كانت جنازته كأن الملائكة تتلاقفها بسرعة ( البرق ) ، لم يشعر بوزنها من كان يحملها .

هبط الى قبره ، وكان المكان تفوح منه رائحة الطيب والاجواء مكتظة بالغيوم ورذاذ المطر يداعب ذرات تراب قبره كأنما يُمهد له في مرقده .

أُقفل القبر وتوجه المصلين الحاضرين الدفن الى القبلة يتقدمهم والده ( منتصر ) بالدعاء له .

عاد والده ، وأقام مراسم العزاء ، وكانت القيادة الرشيدة اول المبادرين في التعازي ، ثم تلتها جموع المعزين من امراء وشيوخ ووجهاء وزملاء واصدقاء واقارب ، اكتظت بهم جنبات الطرق وازدحمت يهم الشوارع .

وما كان على لسان( منتصر ) أبا ( مجاهد ) ، سوى قول ( هنيئاً لوالدي وولدي ان رزقهم الله الشهادة دفاعاً عن وطننا الغالي* ) .

وانا اقول هنيئا لوطننا الغالي بهكذا ابناء برره ، يفتدون ذرات رمله بدمائهم .

ملاحظة : القصة من نسج خيالي ، ولكنها مطابقة لقصص استشهاد ابناءنا في الواقع رحمهم الله جميعاً .

بقلم : أ . حميد بن احمد المالكي
0505656269
hdath@hotmail.com
أ . حميد بن أحمد المالكي

 2  0  74629

التعليقات ( 2 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    13 ذو القعدة 1440 11:15 مساءً د هلال :
    مقال اكثر من راااااائع. نعم والله. اشكرك الاعلامي المميز.
  • #2
    14 ذو القعدة 1440 02:37 صباحًا نايف المالكي :
    تستحق النشر والقراءة يابو طلال*
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:38 مساءً السبت 20 صفر 1441 / 19 أكتوبر 2019.