• ×

الخميس 20 محرم 1441 / 19 سبتمبر 2019

غليس و ( القاضي ) صقر ...

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أ . حميد بن أحمد المالكي
دق جرس الهاتف فرفعت أم ( صقر ) السماعة الو ، فيجيبها المتصل : الو السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، هل هذا بيت ابو ( صقر ) .
فتجيبه أم ( صقر ) : نعم ، من معي ؟
فيقول لها المتصل : نحن يا أختي مستشفى ( الوداع ) ، ابو ( صقر) لدينا بالمستشفى واردنا ابلاغكم بذلك ، واعطاها العنوان ورقم الغرفة .
ثم اقفلت ام ( صقر) السماعه ، وهي تجهش بالبكاء لدرجة أن ( صقر) إبن العاشرة ، قد سمع والدته وايقظته من منامه .
واتى ( صقر ) الى والدته ليستقصي امر بكائها ، وعلى الفور عند رؤيتها لابنها ( صقر ) أخبرته بأمر والده ، وكان ( صقر ) قد اتى من مدرسته قبل نحو ساعتين ، ووالده هو من أحضره من المدرسة عند انصرافه واعاده للبيت ، ثم عاد راجعاً الى عمله .

قال ( صقر) لوالدته : علينا أن نتصل على عمي ( غليس ) .
اتصلت ( ام صقر) على ( غليس ) وابلغته بما حدث ، وقال نتقابل في المستشفى إن شاء الله تعالى .

وصلت ( ام صقر) مع ولدها الى المستشفى وذهبا الى غرفة ( ابو صقر) ووجداه مغطى بالاجهزة الطبية وفي حالة يرثى لها ، ولم يجدوا عنده أحد من الاطباء او التمريض .

وفجأة بدأ ( ابو صقر ) يرتعش ويرتعش ، وأخذت ( ام صقر ) تهرول وتلهث ذهاباً وياباً في اروقة المستشفى للبحث عن طبيب لنجدة زوجها ، ولكن جميع محاولاتها بآت بالفشل ، وعادت الى غرفة زوجها لتجد ( غليس ) شقيق زوجها وابنها ( صقر ) يبكيان و ( ابا صقر ) ساكناً أسلم روحه الى بارئها رحمه الله تعالى .

بدأت في إنهاء إجراءات دفن زوجها ، وطلب منها موظف الثلاجة بالمستشفى ان تذهب الى المقبرة لمعرفة ما اذا كان بها قبر ( شاغر ) أم لا حتى يتسنى لها إخراج جثمان ( ابو صقر ) لدفنه ، وسألته ( ام صقر ) الا يمكن من خلالكم الاستفسار من المقابر عن وجود شاغر ، فاجابها الموظف أنه لايوجد لديهم اي بيانات عن المقابر تفيد بالشواغر فيها وعليها أن تذهب بنفسها للبحث ، وبالفعل ذهبت ( أم صقر ) في رحلة بحث بين المقابر عن قبر ( شاغر ) ، وكذلك ذهب ( غليس ) للبحث عن قبر لشقيقه ، وبعد جهد مظني بعد يومين ، وجدت ( ام صقر ) قبر في مقبره خارج المدينة التي يسكنونها ، وتم دفن ( ابو صقر ) .

وبحكم أن ( صقر) قاصر تم تعيين ( غليس ) عمه وصياً عليه وعلى والدته بعد وفاة والده ، وبعد أٌقل من سنه من وفاة ( ابو صقر ) ، قال ( غليس ) لوالدة ( صقر ) وولدها ، أن جميع الاموال التي تركها المرحوم ( ابو صقر) قد نفذت ، إلا أن ( ام صقر ) قارعته بالحجج ، فاصر ( غليس ) على انكاره ، فطلبت منه يمين أن ما قاله صحيح ولم يتبقى من اموال زوجها شيئاً ، وبالفعل حلف اليمين ( غليس ) ، فاستعاضت ( ام صقر ) الله سبحانه وتعالى ، وقالت ( حسبي الله ) ، فهي لا تستطيع أن ترفع دعوى لضيق ذات اليد ، ثم ذهبت الى اخيها ( حاتم ) خال ( صقر ) فرحب بهما وابقاهما في بيته وتعهد تربية ( صقر ) والانفاق عليه هو ووالدته .

كان ( حاتم ) ميسور الحال ، كريم اليد ، لين الجانب ، حسن الخُلق ، وكانت زوجته لا تقل عنه في صفاته .

كبُر ( صقر ) وتخرج من الجامعة ( كلية الشريعة ) والتحق بسلك القضاء ، واصبح قاضياً ذائع الصيت لعدله وحكمته وأخلاقه وتواضعه .

وفي ذات يوم ، و القاضي ( صقر ) في مكتب رئيس المحكمة مع بعضاً من زملاءه القضاة ، اراد احدهم أن يستاذن للذهاب الى مجلس القضاء للنظر في قضية مديونية على رجلٌ ( عجوز ) ، وأبدأ القاضي رغبته في عدم الذهاب لها لشعوره ببعض التعب .

فقال القاضي ( صقر ) لزميله القاضي ، استطيع أن أخدمك في تلك القضية إن اردت يا أخي .

فرحب زميله القاضي بمقترحه ، وطلبا من رئيس المحكمة الشرح على القضية بإحالتها الى القاضي ( صقر ) .

فأخذ القاضي ( صقر ) ملف القضيه وذهب الى مجلس القضاء خاصته ، وبدأ يتصفح الملف ، فوجد أن الرجل المدين هو عمه ( غليس ) .

أمر القاضي ( صقر ) بدخول الخصوم ( الدائن والمدين ) فدخلا ، وكان عمه ( غليس ) قد كبُر في السن يتكيء على عصى غليضه ويضع على عينيه نظارة ثقيلة العدسات ، منحني الظهر ، كث اللحية .

جلس الخصمان ، وبعد مناقشات ، حكم القاضي ( صقر ) على عمه ( غليس ) المدين ، بدفع المديونية المطالب بها من قبل الدائن .

فاجهش ( غليس ) بالبكاء ، قائلاً إنني لا أمتلك قوت يومي فقد اعجزني الفقر وقتلتني الحاجة .

وفي تلك اللحظة ، أستخرج القاضي ( صقر ) من جيبه دفتر الشيكات ، ودون به مديونية الدائن كاملة ووقعه ، ثم سلمه بيد الدائن وطلب من كاتبه أن ينهي إجراءات المخالصة .

فاقبل ( غليس ) على القاضي ( صقر ) يشكره .

وقال القاضي ( صقر ) : الم تعرفني يا عماه ؟

قال ( غليس ) : لم اعرفك يا فضيلة القاضي فمن أنت ؟

قال القاضي ( صقر ) : أنا إبن أخيك أنا ( صقر ) .

فجهش ( غليس ) البكاء وجثى على ركبتيه أمام القاضي ( صقر ) ، وقال : والله لقد حكمت عليه يا بُني باقسى حكم يمكن لقاضي أن يحكم به على ظالم .

فمد القاضي ( صقر ) يده لعمه ( غليس ) واوقفه وقال له : يا عم صلة الرحم فوق كل أمر ، فمن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله ، ياعم الله يسامحك ويبيحك ، وتأكد أنني إبنك ولن ينال منك الفقر بعد اليوم بعون الله تعالى ، بيتي بيتك ومالي مالك .
بقلم : أ . حميد بن احمد المالكي
0505656269
hdath@hotmail.com
أ . حميد بن أحمد المالكي

 0  0  27380

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:16 مساءً الخميس 20 محرم 1441 / 19 سبتمبر 2019.