• ×

السبت 20 صفر 1441 / 19 أكتوبر 2019

أيام الطيبين

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أ. محمد الدباسي
هل نحن في زمن الأشرار ؟
هل حقاً ما نسمعه من أن أيام الطيبين قد ولت ؟
قد ذهبت بلا رجعة ولن تعود ؟
لماذا يُمدح الزمن القديم ويُوصف أهله بالطيبين ؟
هل لأن الحياة فيه كانت سهلة وكان الناس يعيشون فيه ببساطتهم ؟
هل لأن القلوب كانت صافية وكان الجار يعرف جاره و يجلس معه ويقاسمه طعامه وأسراره ؟
هل لأن الصغير فيه كان يقبل رأس الكبير ولو لم يكن من أهله ؟
هل لأن أهل ذلك الزمن كانوا كالأسرة الواحدة ولو قالت الأوراق غير ذلك ؟
في تلك الأيام التي يوصف أهلها بالطيبين لم تكن هناك قنوات فضائية ولا أجهزة اتصال بل كانت الأسر تجتمع وتتسامر مع بعضها دون الحاجة لكل ذلك .

كانت الحياة هي الحياة بكل معانيها البسيطة .
والآن لنتأمل و نرى كيف أصبحنا ؟
لنسأل أنفسنا لماذا غابت اللحظات الجميلة من حياتنا ؟
أين ذهبت ؟ ومن أذهبها ؟
هل ستعود ؟ أم أنها ماتت ؟
هل تغيرنا ؟ أم أن الزمن هو من تغير ؟
لماذا دائماً نلوم الزمن ؟
لماذا نجعله شماعة نعلق عليه تغيراتنا وسلبياتنا هذا إن كنا نعترف بهذه الأخطاء أصلاً ؟
لنتأمل الحياة ولو تأملنا ونظرنا فيها لعلمنا أن الأيام لم تتغير و كذلك الأماكن فقط المباني هي من تغيرت وبعض مما هو فينا .
كانت بيوتنا صغيرة فاستبدلناها بناطحات سحاب .
كان مقصدنا من ناطحات السحاب أن نتطور ..
أن نرتقي ..
أن نسود الدنيا ولم نعلم أنها أرجعتنا إلى الوراء ..
نعم .. ظننا أننا نقترب من السماء كلما ارتفعت تلك المباني التي نسكن فيها ولم نعلم أن أشياء أخرى هي التي كان ينبغي لها أن ترتفع .
وأن ترتقي .

يا ترى هل نستطيع أن نعيد تلك الأيام ؟
أن نعيد تلك التفاصيل ولو لم تكن المباني هي المباني ؟
أن نعيد رسم ابتسامة فقدها زماننا ؟
هنا ..
في هذا المجلس الفاخر المهجور الذي يتصدر المنزل كان اللقاء .
لا .. لم يكن الآن على هذا المجلس الفاخر الذي نعلم أنه قد هجر وإنما في نفس الغرفة قبل أعوام مضت يقال عنها أيام الطيبين .
كان اجتماعاً يجمع أهل حي تلك الأيام رجالاً هنا ونسوة في المجلس الأخر ..

لا تستغربوا فقد كانوا يجتمعون و يقضون أوقاتهم ألم أقل لكم أنها أيام الطيبين .
كانت الابتسامة هي عنوان ذلك اللقاء والضحك هو سيد ذلك المجلس .
لم تكن تلك الابتسامة بحاجة إلى مجلس فاخر مصنوع في دولة أوربية شهيرة كالذي استبدل به اليوم ليشعر من يجلس عليه بالراحة فيبتسم ولا إلى جهاز تكييف عالي المستوى ليبعث برودته إلى صدورنا فترتاح ولا إلى وجبة فاخرة لتملئ العين قبل البطون .
لم تكن بحاجة إلى شيء من ذلك بل هم لم يملكوها أصلاً فقد كانت محتويات مجالسهم بسيطة و لكنهم ملكوا قلوباً جمعتهم و أخلاقاً سمت بهم .
إن القلوب هي الوقود المحرك لهذه الحياة .
هي التي تستطيع أن تضفي جمالاً و تعيد لنا تلك الأيام ..

إن قلوب من سبقونا لم تكن تختلف عن قلوبنا شيئاً سوى أنها كانت أنقى وأصفى فاستقبلت من حولها برحابة تترجمت على وجوههم فكانت ابتسامة أضفت جمالاً على ذلك المجلس فأنعشته نقاء و أنعشت الحياة من حولهم .

إن الحياة الطيبة في أيامهم لم تكن خالية من الهموم و لم تكن خالية من المشكلات لكنهم توكلوا على رب كريم يقضيها و اقتربوا من بعضهم ..
تألموا مع بعضهم قبل أن يضحكوا جميعاً .
لم تتغير ملامحهم عندما يقابل بعضهم البعض عند إشارات المرور كل صباح .
لم يمنع أحدهم أبناءه من زيارة قريب لهم حتى وإن اختلفوا على أمر ما .
و لم يحرموا بعضهم من تذوق أطباق بعض .
هل عرفتم الآن لماذا هم طيبون ؟
لنترك كل ذلك الآن ولنعد إلى ذلك المجلس الفاخر الذي تحدثنا عنه قبل قليل ..
أتذكرونه ؟
هو معروض الآن للبيع وميزته أنه نظيف ..
وجديد ..
جديد رغم أنه مضى على استخدامه ثلاثة أعوام لأنه ببساطة لم يجلس عليه أحد إلا قليلاً ولأنه لم يصنع لأيام الطيبين .

بقلم: محمد الدباسي
أ. محمد الدباسي

 0  0  48766

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:10 مساءً السبت 20 صفر 1441 / 19 أكتوبر 2019.