• ×

الإثنين 11 جمادي الأول 1444 / 5 ديسمبر 2022

استراتيجية النزاهة منهجا وتطبيقاً !؟

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أ . شهوان الزهراني
قال محدثي : أمضيت في الوظيفة أكثر من ثلاثين عاماً ، تقلدت فيها وظائف ذات مردود مالي جيد ، في مقدار الراتب والميزات الوظيفة، ولم أعرف السرف ولا الترف، ولا السياحة خارج الوطن، وما استطعت أن أجمع ثروة تجعلني رجل أعمال ، مثل بعض الموظفين الذين قد يخرجون من الوظيفة عاديين فإذا بهم رجال أعمال وأصحاب ثروات ومال . مع أنني أحمد الله سبحانه وتعالى على وضعي المالي. فلست محروماً من الخير في حياتي، ولكن لا أجد مقارنة بين وضعي المالي وحال هؤلاء، وبعضهم لم يعرف الوظيفة إلا بعدي بسنين عديدة.

قلت له: إن الله عز وجل قسّم الأرزاق بين العباد فلا يفرح أحد بما أوتي ولا يحزن على ما فاته ، قال الله سبحانه وتعالى : [ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ] فأحمد الله جل جلاله على ما رزقك ، فكلٌ ميّسر لما خلق له ، أن خيراً فخيرا، وإن شراً فشر، ولا تنظر لمن هو فوقك في الرزق، وأنظر إلى من هو دونك ، ترتاح ويرتاح ضميرك، ثم هل ترضى بمال ملوث بالحرام وكيف تكون أمام نفسك وأهلك ثم كيف تقف أما ربك يوم لا ينفع مال ولا بنون ؟!

قال كنت أتمنى أن يقع هؤلاء في قبضة العدالة وأن يفضحوا على الملأ حتى يكونوا ردعاً لغيرهم وعبرة لأمثالهم .

قلت : لقد تنبه ولاة الأمر إلى مثل هذا الخلل الذي يمارسه ضعاف النفوس في غيبة من الضمير وفي ظل انعدام الوازع الديني . منذ أكثر من خمسين عاما فقد تم صدور نظام الذمة المالية بالمرسوم الملكي رقم 16 وتاريخ 7/3/ 1382هـ وقد تضمن الآتي :

أولا - على رئيس مجلس الوزراء - بناء على مقتضيات المصلحة العامة - أن يحاسب الموظفين عن مصادر ثرواتهم وثروات أولادهم القصر أو البالغين الذين لم يعرف عنهم التكسب ، وثروات زوجاتهم ، ويؤلف المجلس لمحاسبة الموظف هيئة ثلاثية مكونة من رئيس ديوان المراقبة العامة رئيسا ، ومحققين من ديوان المظالم أعضاء ، ولهذه الهيئة وهي تباشر مهامها أن تستعين بمن تشاء من الخبراء الحسابين الحكوميين أو غيرهم .

ثانيا - إذا عجز الموظف عن إثبات مصدر شرعي لما يملكه هو أو من ذكروا في المادة السابقة مما يثير الشك في أن اكتساب هذه الأموال كان بطريق الرشوة أو الهدايا أو الاستغلال للنفوذ الوظيفي ، فإن على مجلس الوزراء - بناء على توصية الهيئة المشار إليها في المادة السابقة . أن يصادر نصف تلك الأموال المشكوك في مصدرها وأن يحكم عليه بالعزل من وظيفته الحكومية .

ثالثا - لا تحول نصوص هذا لنظام دون المساءلة الجنائية إذا توفرت شروطها .

رابعا - على رئيس مجلس وزرائنا ووزرائنا كل فيما يخصه تنفيذ مرسومنا هذا من تاريخ نشره . التوقيع الملكي / سعود

إلا أنه يبدو أن التطبيق لم يكن منسجما ومتفقا مع هذا التوجه الملكي آنذاك ، مما فتح الباب لضعاف النفوس في الاستمرار في ممارسة بعض المخالفات المالية وغيرها ، فاستمر الهدر والخلل الذي يمارسه هؤلاء في ظل الثقة التي يمنحها المسؤولون لبعض أصحاب المناصب الكبيرة والصغيرة على حد سواء . ولهذا فقد توجهت المقاصد والنيات إلى وضع حد لهذا فارتأت الجهات العليا بقيادة خادم الحرمين الشريفين على اصدار نظام يحول دون استمرار هذه المخالفات فوافق مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة يوم الاثنين الموافق8 /2/1427هـ على استراتيجية النزاهة ومحاربة الفساد ، وهي تستهدف استئصال هذه الظاهرة من جذورها ، والدولة أيدها الله قادرة على تطبيق ذلك ، ووضع الحلول المناسبة والحاسمة لهذا الداء الذي اصبح ظاهرة عالمية ، فهو فساد مستتر يستهدف النيل من المال العام والنزاهة والثقة ويتاجر بالأمانة بيد ان ذلك يتطلب أن يقدم للمحاسبة الدقيقة كل مخالف مهما كان منصبه ومهما كان موقعه دون استثناء ، ذلك أن وجود الاستثناءات يعني الانتقائية المذمومة هذا من جهة ومن جهة أخرى جعل القرار حبرا على ورق .

وعموماً فإن من الجدير بالتنويه إليه أن من لوازم تطبيق هذه الاستراتيجية إن لا تقتصر المحاسبة والمعاقبة على العزل من الوظيفة ، فهذا ولئن كان من الحلول المناسبة والملائمة إلا أنه وحده ليس كافٍ . بل لا بد أن تمتد العقوبة إلى أبعد من ذلك بكثير فطالما أن العقوبة تعزيرية فتقريرها وتقديرها وكيفيتها يكون من صلاحية ولي الأمر . ولهذا فيمكن أن يكون هناك عقوبة تبعية وتكميلية فبعد العزل يعاقب بالحبس وهذا عقاب بدني ثم تصادر الأموال الناتجة عن الاختلاس والرشوة والهدايا واستغلال النفوذ بعد أن تتم المحاسبة الدقيقة لمصادر دخله وكيفية الحصول عليه ، وقدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كان يحاسب عماله كما ثبت عنه في الصحيحين وكما ثبت أيضاً مصادر أموال بعض الولاة والأمراء والعمال في عهد الخليفة عمر بن الخطاب t رغم مكانة أولئك وسابقتهم في الإسلام . أما إذا اكتفينا بالعزل وفاز بثمرة تلاعبه واستغلاله لنفوذه فإن ذلك يعني مزيد من الممارسة . لأنه الاكتفاء بعزله يجعله حينئذ يتفرغ لاستثمار هذه الأموال التي اختلسها وتاجر بالوظيفة من أجل الحصول عليها وإدارتها بحرية وعلانية .

لكن إذا عرف ان هذه الأموال ستصادر منه ويبوء بفضيحته بين الأنام وسجنه فإنه ستردد مليون مرة على الإقدام على الاختلاس او المتاجرة بوظيفته . ومع ان هذه الهيئة مضى على تشكيلها وبدء عملها فترة إلا أن نتائجها لم تكن بالقدر الكافي عند كثير من المواطنين .

اللهم اغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عن من سواك .



كتبه : شهوان بن عبد الرحمن الزهراني

ص . ب 11174 جدة 21453

فاكس : 6534238

بريد إلكتروني : sfa_10@hotmail.com


أ . شهوان الزهراني

 0  0  368708

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:03 صباحًا الإثنين 11 جمادي الأول 1444 / 5 ديسمبر 2022.