• ×

الأحد 10 صفر 1442 / 27 سبتمبر 2020

البطانة الصالحة من دعائم النجاح

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أ . شهوان الزهراني
من نعم الله العظمى على الإنسان وتوفيقه - ونعمه سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى - إنه إذا وهب لأحد من خلقه منصبا كبيرا أو مالا وفيرا أو جاها واسعا أو حتى علما غزيرا إن يكرمه ببطانة صالحة، يدلونه على طريق الخير ويسهلون له انتهاجه ويساعدونه على السير فيه قدما، دون كلل أو ملل أو خوف من فوات منفعة ذاتية لهم، ويقفون معه فيأخذون بيده نحو مسارب النجاح والفلاح ويوضحون له مواطن الخلل والزلل، ويحولون دون وقوعه في الخطأ أو ولوجه في دروب الشر والظلم والفتن. فوجود البطانة بمثل هذا المستوى يكون له وقاية وحماية من وصول الأشرار إليه أو تغلغل أصحاب الأهواء إلى فكره أو مخادعة راغبي الفتن فيما يسدون إليه من أراء ظاهرها النصح وباطنها الفساد والقبح. فإذا رزقه البطانة الصالحة ثم أكرمه مولاه عز وجل وأنعم عليه بفكر ثاقب وعقل صائب وقلب سليم ونفس توّاقة للحق والخير فإنه يظل دائما يبحث عن نصح الناصحين فيتقبله ويتحرى وجه الحق فيتبعه، ولا يركن للأهواء والنزوات التي يسعى إليها كثير من الذين حوله وهي تنال من حسن سياسته وإدارته فيما وهبه الله من نعمه سواء منصبا أو مالا أو جاها أو علما.

ونعمة توفر البطانة الصالحة حول الإنسان - وبخاصة المسؤول في وظيفة عامة تمس مصالح الرعية - نجد إنها نعمة كبيرة لا يقدرها ولا يحظى بها إلا من كان له بصيرة ثاقبة وعقل نير، وقلب مطمئن فيرى الوظيفة أمانة ومسؤولية فيقوم بأعبائها على الوجه المطلوب. ويسعى جاهدا للوصول إلى الصلاح والخير وقد ورد في الحديث الشريف عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ, إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ, وَإِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ.]

ومن الثابت والمعلوم أنه كلما عَظُم شأن المرء ومنصبه كلما كان بحاجة أكبر إلى المستشار الصادق والناصح الأمين. الذي يدله إلى الخير وسبل النجاح، وتناسى المصالح الذاتية والأهواء والرغبات الشخصية في سبيل تحقيق المصلحة العامة، فيصدع بكلمة الحق والرأي السديد وينبذ شعارات المدح والتبجيل المزيف والتطبيل الكاذب، لا يخاف لومة لائم ولا ضياع المآرب، يثق في آرائه ويثبت على المبادئ الأخلاقية السامية والقيم الفاضلة النبيلة، فيبذلها للمسؤول لأنه يريد تحقيق الهدف المنشود من إنشاء ذلك الجهاز وأداء الأمانة وبالتالي تفعيل دوره لمساعدة المسئول وتهيئة سبل النجاح لتحقيق الصالح العام. فإذا تحقق للمسئول أو التاجر أو ذي الجاه مثل هذه البطانة الصالحة فأعلم إن التوفيق بأذن الله سبحانه وتعالى سيكون حليفه وستكون أعماله وتوجهاته وقراراته متسمة ومنسجمة مع الحق والعدل، وتكون قرارته وتوجهاته مقبولة حتميا لدى كل المحيطين به من أصحاب الشأن .

أما إذا كانت البطانة سيئة همها الأول وهدفها الرئيسي وديدنها الذي لا ينقطع هو حماية مصالحها الشخصية وترسيخ مبادئها وتوجهاته الذاتية، والذود عنها بكل قوة فتهدم أركان المصلحة العامة بمعاول الأنانية، وتشيد على أنقاضها مصالحها الذاتية فتضحي بكلمة الحق وتهدر مبدأ الأمانة في سبيل إيجاد طرق بموجبها يتحقق للرئيس منافع وفوائد لترضي غروره وإشباع رغباته التي يتطلع إليها حتى لو كانت مخالفة للشرع، فلا تدله على الصواب ولا تبين له الخطأ تزين له كل أعماله وتشيد بها حتى لو كانت نتيجتها الخراب والدمار، وتزين له الباطل وتحسنه وتغم عليه الحق وتحجبه, يجيزون له ما هو باطل ويمنعون ما هو جائز، ويلوون عنق الحق والحقيقة بدليل متعسف وباطل، ويغالطون بأسلوب المخاتلة ومفهومها كل صواب وكل ذلك من أجل أن يبقى ذلك المسئول تحت نظرهم وسيطرتهم فهم أشبه بالسحرة حين يسيطرون على المرء ويسلبونه نعمة العقل والتفكير فلا يرى إلا ما يريدون له أن يراه ولا يسمع إلا ما يقولون ولا يتكلم إلا بما يهمسون به له. ومثل هذه البطانة هم أعداء دون شك يفضحونه بما ينصحونه ويغشونه بما يسدون إليه ويدلونه عليه. فإذا تغير الحال ورأوا إن ذلك ينال من مصالحهم ويحجم مواقفهم انقلبوا ثعالب فتجدهم حينذاك يجعلون ما كان بالأمس باطلا فهو اليوم عين الحق والصواب وما كان البارحة حقا يجب الدفاع عنه فهو اليوم باطل يجب اجتثاثه واستئصاله.

وهم ذئاب مسعورة لا يتوانون في اختلاق كل ما من شأنه إقصاء ذلك المسئول عن الطريق السوي إذ أن في بقائه في سيطرتهم ما يتيح لهم الفرصة للاستفادة الكاملة والحصول على ما يريدون بحسبان أنهم إما جاهلون يقولون بدون زاد من علم أو أنهم انتهازيون ( ميكافيليون ) الغاية عندهم تبرر الوسيلة، ولو تكشف أمرهم فأن ذلك يعني الاستغناء عنهم، بل قد يصل الأمر إلى محاسبتهم وعقابهم فلذلك هم حريصون على عدم إتاحة الفرص لغيرهم بالاتصال بالرئيس فهم يحيطون به إحاطة السوار بالمعصم، ليكون بعيدا عن كل ما يمكن أن يعيده إلى الحق والصواب أو يكشف له أطماعهم ونزواتهم وخداعهم؟!.

فالبطانة لا بد من وجودها صالحة ام طالحة، لكن العبرة في دقة الاختيار للبطانة عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:[ ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى.] رواه البخاري

ومن الثابت أن البطانة الصالحة إذا لم يكن المسئول لديه الاستعداد لقبول نصحهم والأخذ بآرائهم فأن ذلك يعني حدوث تنافر واختلاف ينعكس سلبيا على العمل لتعارض المصالح وتصادم الأهداف، وتجد البطانة الصالحة أن العمل مع هذا المسؤول فيه عناء كبيرا ومشقة عظيمة لأنه يرى أنهم ضد توجهاته وتفكيره في كل تصرف يقومون به ويشك في كل نصيحة يسدونها إليه، ومن ثم تتسلط بطانة الشر والفساد ويستغلون الفرصة فيقومون بتوظيف هذا التنافر وتأجيج نيرانه لزيادة الهوة وتوسيع مساحة التنافر بين ذلك المسئول وبين الناصحين له، فيلجأ المسؤول حينئذ إلى من يتفق معه في مستوى التفكير وطبيعة السلوك والتصرفات والمصالح والأهداف حتى يضمن بذلك التأييد فيما يقوم به من تصرفات.

ولا يركن إلى فئة المطلبين والانتهازيين إلا كل مسئول لا يثق في قراراته ولا يملك صولجان التحرر من ربقة الأنانية والنرجسية التي تهدم كل مقومات العمل الناجح فهو مسئول تعوزه الفطنة والفراسة ويفتقر إلى معرفة ابسط مبادئ تحليل الأمور للاستدلال على منطقية الحدث ومعقوليته.

ومن خلال التجربة ومما سمعت وقرأت أيضا فأنه يصعب أن يستمر الحال وتدوم العلاقة بين البطانة الصالحة ومثل هؤلاء المسئولين النفعيين لعدم التوافق الفكري وتنافر التوجهات والأهداف وتعارض المصالح والنتائج، ولذلك فإن المسئول حينما يجد نفسه في مثل هذا المأزق فإنه لا يتورع عن القيام بتجميد أعمال أولئك الناصحين المخلصين له زاعما أن هؤلاء ضد مصلحة العمل وبالتالي يقوم بتعيين غيرهم ممن يتفق معه في كل قرار يتخذه ويطبل لكل قرار يصدره فلو أصدر قرارا في الصباح ثم ألغاه قبل نهاية الدوام لوجد في الحالتين تطبيلا وتأييدا مطلقا، فيصرحون إن إصدار القرار ثم إلغاؤه جاء منسجماً مع مصلحة العمل ومتطلباته فالطيور على أشكالها تقع.

ونسأل الله تعالى أن يوفق الجميع للعمل الصالح والمخلص.



وكتبه : شهوان بن عبد الرحمن الزهراني
ص . ب 11174 جدة 21354
فاكس 6534238
Sfa_10@hotmail.com


أ . شهوان الزهراني

 1  0  319788

التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    23 رمضان 1434 10:35 صباحًا سلمان عبود :
    وأنا أضمن لك أن ابراهيم العساف ليس من ضمن ما يدعى بالبطانة الصالحة
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:41 مساءً الأحد 10 صفر 1442 / 27 سبتمبر 2020.