• ×

الثلاثاء 5 صفر 1442 / 22 سبتمبر 2020

هل المناطقية والقبلية تسبب التخلف!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
أ . شهوان الزهراني
بين وآخر نسمع نغمة موسومة باتهام القبلية والمناطقية بأنها سبب التخلف والتفرق والمحاباة ، وهي نغمة حقيقة سئمنا من تكرارها ومن الاتكاء عليها في كثير من تبريرات بعض المفلسين في واقعنا المعاصر كلما تأخر عن الوصول لهدفه سواء كان هدفا مشروعا أو ممنوعا ، فهناك من يتقيأ هذه التهمة إذا لم يرقى بمكانته وقيمته وعلمه وخبرته إلى المكانة التي يريدها أو أن همته تقاصرت به عن اللحاق بركب الفالحين ، أو أنه لم يحظ بالدعم لعضوية أحد المجالس ( الأدبية أو البلدية أو غيرها من المجالس الأخرى التي تنال عضويتها بالتصويت ) فيهرع ذلك المسكين إلى تبرير فشله في الوصول إلى العضوية إلى حجة ضعيفة وواهية فهي أوهى من بيت العنكبوت - فيتهم من حظي بالعضوية أو وصل لمكانة مرموقة أدبيا أو اجتماعيا فيدعي إن ذلك كان بسبب القبلية والعصيبة والمناطقية إلى آخر تلك النغمة .

مع أن العضوية في بعض المجالس هي عضوية لا تؤثر كثيراً في الحراك الاجتماعي والثقافي . فضلاً عن أن تؤثر في السياسة والاقتصاد والإدارة . ولست أدري هل يريد هؤلاء أن يتخلى كل أبناء القبائل عن نسبهم حتى يرضوا .

ثم نقول لهؤلاء هاتوا برهانكم وأعطونا دليلاً واحدا وحالة واحدة كانت القبلية والمناطقية فيها سبب التخلف والرجعية والتفرق . بعد توحيد المملكة وقيام هذه الدولة المباركة .

لا شك أن العلة في مقت العصبية والقبلية شرعاً تكمن في أنها مظهر من مظاهر التكبر والسخرية والتنقص من الآخرين والافتخار بدون وجه حق . وكل أمر توفرت فيه هذه العلة فهو ممقوت ولا يجوز شرعاً . هذا أمر مسلم به . وإذا طبقنا هذا المفهوم على كثير مما يحدث على أرض الواقع نجد أن التكبر والافتخار والسخرية تحدث من بعض الذين لا ينتسبون إلى قبائل أو من بعض رجال القبائل ولكن بسبب ليس للقبلية فيه صلة ، فبعضهم بشهادته يفتخر ويتكبر وبعضهم بماله وبعضهم بمنصبه وبعضهم بمدينته وتحضره وتطوره .

بل بعضهم لتوجهاته السياسية والفكرية من علمانية وليبرالية وتغريبية بل أن بعض المشجعين المتعصبين لبعض الأندية الرياضية يخاصم أخاه وأباه وابنه وكل قبيلته من أجل ناديه الذي يشجعه ، ويتكبر عليه ويفتخر للفوز وغيره ، فهؤلاء جميعاً بالقياس يقفون في صف واحد مع الافتخار بالقبلية لأن العلة واحدة .

وهي السخرية والاستعلاء والتكبر على الآخرين. ومن هنا فلا بد من توجيه النقد إلى أمثال هؤلاء ..

لا أريد أضرب أمثلة ، فبعض الشركات والمؤسسات الكبيرة أصبحت حكراً على الأبناء والأقارب من منسوبيها ، بل وبعض الجهات الحكومية سارت في هذا الاتجاه واللبيب بالإشارة يفهم ، فضلاً عن أن هناك بعض سكان المدن وبعض الفئات من المجتمع يسخرون من ابناء القبائل ويستعلون عليهم ويرون أنهم اقل منهم شأناً ، وما حكاية ( صفر سبعة ) إلا مظهر من آلاف المظاهر التي يسخرون بها من شأن ابناء القبيلة .

ثم أين هم رجال القبائل من الوظائف الكبيرة ، التي يمكن أن يفاخروا بها ، إن الحقيقة المؤلمة يا سيدي أن كثير من أبناء القبائل لم يعد ينتسب إلى قبيلته صراحة لأنه يرى أن ذلك يقلل من شأنه ومكانته ، ناهيك عن أن يفتخر ، لأنه يرى المناصب الكبيرة والحظوة والجاه ذهبت لغير أبناء القبائل . وأصبح أبن القبلية كاليتيم على مائدة اللئيم فبأي شيء يا ترى يمكن أن يفتخر به أبناء القبائل ؟!

إن هؤلاء الذين يرون أن العصر تجاوز القبلية والمناطقية ، تناسوا أن نبذ التفاخر والتكبر بسبب النسب أو المال أو الجاه أو اللون جاء مع بزوغ فجر الإسلام فهو أمر لا يجوز فعله ، فمنذ ذلك التاريخ تم تجاوز التفاخر والسخرية والاستعلاء ، وليس وليد العصر ، وترتيباً على ذلك فإن التركيز على جانب واحد من جوانب ومظاهر التكبر والسخرية والاستعلاء وحصره في القبلية والمناطقية يجعل من الأمور الأخرى كأنها جائزة شرعاً ولا عيب فيها ، أما الانتساب إلى قبيلة معينة فقد أصبح عاراً وجريمة ، ونتمنى من أولئك أن يكونوا أكثر شمولية في الفكر وأبعد نظرة في الطرح في الأمور المحيطة ، فيجعلون من نقدهم وسيلة للبناء العام وليس بناء جانب وهدم جوانب أخرى .

لا شك أن الإسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة وعشرين سنة وهو ينبذ التفاخر بالأنساب ويحرم السخرية من الآخرين ، منذ نزول سورة الحجرات . وقد قال الله عز وجل : [ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ] وفي ذات السورة يقول الله سبحانه وتعالى [ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ] وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . [ لا فرق بين عربي وعجمي وأبيض واسود إلا بالتقوى ] فالمسألة هنا هو نبذ حدوث السخرية واللمز والتنابز بالألقاب ، وهذا قد يحدث من أبناء القبيلة ومن بعض أصحاب الجاه وبعض أصحاب الطبقة البرجوازية والمستويات الاقتصادية العالية وأصحاب الوظائف المرموقة وغيرهم .

والسؤال هنا لماذا بعض أبناء القبائل يمارسون جلد الذات إلى هذا الحد في النقد ومحاولة التبرؤ من المناطقية والقبلية فبعضهم لا يكتب اسمه كاملا منسوبا إلى قبيلته؟! رغم أن انتسابه إلى قبيلته لا يؤثر في مجمل الأحداث . بينما هناك من يمارس الاستعلاء والسخرية والتكبر على خلق الله دون أن يتم انتقاده . أليس هناك من رجال المال والأعمال من ينتقص من مكانة العمال ويرى أنه فوقهم فضلاً ومكانة سامية وهو قد لا يصل إلى أقلهم في الدين والتقوى. أليس هناك من المسؤولين أصحاب المناصب الكبيرة يرى أن بقية الناس رعاع وانه هو ومن يماثله في المكانة والمنصب يستحق الحياة والتقدير ، وأن له الأفضلية حتى في الصفوف الأولى في المساجد يوم الجمعة تحجز له من الصباح الباكر حتى لو جاء متأخراً يتجاوز كل الصفوف إلى مكانه المحجوز .

بل واصبحت ( الإبل مظهرا ومحلاً للافتخار والتكبر والاستعلاء وأحترنا مع من نكون مع المزايين أو المجاهيم أو المغاتير ؟؟! في معظم الدول أحزاب سياسية هي ميدان واسع للافتخار والتكبر والاستعلاء والسخرية بالآخرين وهي كثيرة وكثيرة جداً . وما القبيلة إلا قطرة في بحر . فلماذا نختزل كل ذلك في القبيلة .

أن كاتب هذه السطور لا يدعو بحال إلى التحيز للقبلية والمناطقية ، لكن في ذات الوقت لا يحبذ الاتكاء على هذا النغمة وتناسي جميع المظاهر المماثلة والتي لها حكم التفاخر بالقبيلة ، فهي أيضاً ممقوتة ومنبوذة ويجب محاربتها جميعاً وجعلها في خندق واحد مع الافتخار بالقبيلة والعصبية ، لأن العلة واحدة ، فالعلة في مقت العصبية والقبلية معروف وهو التفاخر والسخرية والاستعلاء والانتقاص من الآخرين . فمتى وجدت هذه العلة وجد المقت والتحريم . مثل علة ذهاب العقل في تحريم الخمر فكل ما يذهب العقل يلحق بالخمر في التحريم . ولهذا حرموا كل أنواع المسكرات ..
وبعضهم يلف حول الموضوع فيكرس الانتساب للوطن دون سواه . وهو أمر تفرضه على كل مواطن المصلحة العامة حتى يصبح الولاء للوطن لتكتمل اللحمة الوطنية ويتم الالتفاف من الجميع حول الوطن ، ولكن ألا يرى أيضاً أن الغلو بالافتخار بالوطن إلى حد الانتقاص من الآخرين هو عملية استنساخ لظاهرة التفاخر بالقبيلة فتم استبدال القبيلة بالوطن ، وهذا إذا نظرنا إليه من ناحية شرعية بحته هو من قبيل الافتخار بالقبيلة لا يجوز شرعاً ، فالسعودي حين يرى أنه أفضل من البنقلاديشي والهندي والتشادي والصومالي وغيرهم وأفضل من أي إنسان آخر لا يحمل الجنسية السعودية ، فإن هذا ليس صحيح بل أنه يخرج عن ميزان التقوى ميزان التفاضل والكرامة عند الله - وبالمقابل فكل دولة يرى مواطنوها أنهم الأفضل لا يختلفون عن التفاخر بالقبلية ، فهل يجوز هذا شرعاً ، فماذا تقولون هل نتخلى عن وطنيتنا السعودية أيضاً وعن انتسابنا للقبيلة بالكلية . على أنه ينبغي هنا التفريق بين الولاء للشيء والاستعلاء به على الآخرين .

فالولاء للوطن لا غبار عليه ، وأنه مقدم على الولاء للقبيلة ، لكن كما أنه لا يجوز الاستعلاء بالقبيلة على الآخرين فإنه كذلك لا يجوز الاستعلاء بالوطن على الآخرين .

ومن كل هذا نقول لهؤلاء افتونا في الأمر جزاكم الله خيراً . وإلا دعونا نتمتع بمشاهدة العرضة في قناة السيوف والسروات والساحة والمعنى وغيرها من القنوات فلم يبق إلا هي من مظاهر القبيلة ، بعد أن شوهت بعض المهرجانات شكل التراث الشعبي عمدا أو جهلا....

اللهم اجمع كلمتنا على الحق والتقوى ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين امنوا .

وكتبه /شهوان بن عبدالرحمن الزهراني
ص . ب 11174جدة 21453
Sfa_10@hotmail.com


أ . شهوان الزهراني

 2  0  671167

التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    22 ذو الحجة 1434 06:54 صباحًا سليمان بن حميدي الزايدي :
    الأخ / شهوان بارك الله فيك ورعاك .
    أتفق معك بالجملة والتفصيل بل والقطاعي.
    صدقني لم أجد في القبيلة الحقة ونسبها ما يدعوا للعصبية بل أن أهلنا علمونا ثقافات وأمثلة تنم عن ثقافة احترام الآخر، ومنها مثالاً لا حصراً( في كل ديرة حقها من رجالها، ما يسب الرجال غير أخس الرجال،الناس للناس والكل لله) وغيرها الكثير بالإضافة للموروث الديني الأكثر تأثيراً ( إن اكرمكم عند الله أتقاكم ، لا فرق بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوى)
    والحقيقة التي يتغاضى عنها الكثير أن أبناء القبائل يمارس عليهم عنصرية مقيته، فا الحضر منهم إلغيت حضارتهم فأصبح الجميع بدو بقدرة قادر ونحن نعرف من الحضري ومن البدوي، وأصبح أخواننا الوافدين بجنسيات سعودية ممن نحترمهم ونسعد بمشاطرتهم الارض والسماء والجنسية كلهم حضر والقبلي كلهم بدو.
    نعتت قنواتنا الشعبة والتي تمثل التراث في جميع صورة الفلكلور وغيرة بقنوات التخلف نعت أبناءنا بالمتخلفين هذه والله العنصرية بعينها حتى أن بعض أبناء القبائل يتخلون عن الأسم الفعلي للقبيلة مقابل اسم العائبة حتى يجد فرصته في بعض الجامعات أو الوظائف .
    هذا مختصر من مأساة يعيشها حماة الوطن من أبناء القبائل والجاني يعيش حالة ترف في أرقى الوطائف.
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:48 مساءً الثلاثاء 5 صفر 1442 / 22 سبتمبر 2020.